كيف ستنعكس ضريبة النفايات على الأسعار؟ -- Aug 20 , 2026 16
لم يَعد تعديل مرسوم الضرائب البيئية والمواد المستوردة رقم 3214 مجرّد إجراء مالي يستهدف تعزيز إيرادات الدولة، بل بات اختبارًا مباشرًا لقدرة السياسة الضريبية على تحقيق إيرادات إضافية من دون تغذية التضخم أو تحميل الاقتصاد كلفة جديدة. فبعد التراجع عن الصيغة الواسعة التي كانت تفرض رسومًا تتراوح بين 1 و3 في المئة على معظم السلع، والاتجاه نحو جدول انتقائي يستثني السلع الأساسية،حاولت الحكومة تقليص الصدمة على الاستهلاك والقدرة الشرائية، مع إبقاء باب الإيرادات مفتوحًا أمام تمويل معالجة النفايات.
لا يختلف اثنان على أن تخفيف نطاق الرسوم البيئية (ضريبة النفايات) لا يلغي انعكاساتها الاقتصادية، بل يعيد توزيعها داخل الدورة الاقتصادية. فحين تطال الرسوم بعض المواد الكيميائية واللدائن والإسمنت، فإنها تدخل مباشرة في كلفة مدخلات الإنتاج والتغليف والتصنيع والبناء، قبل أن تجد طريقها تدريجيًا إلى الأسعار. أما فرض رسوم أعلى على السيارات والإلكترونيات والساعات، فيرفع كلفة الاستيراد المباشرة، مع أثر إضافي ناتج عن احتساب الـTVA على قيمة الرسم. وبين هدف زيادة إيرادات الخزينة ومحاولة احتواء التضخم، يبقى التحدي الأساسي في ألا تتحوّل المعالجة البيئية إلى عبء ضريبي جديد يضغط على الإنتاج والمستهلك معًا.
وفي قراءة اقتصادية لتداعيات هذه الصيغة على الأسعار والإنتاج والاستهلاك والتحصيل المالي، يحدّد أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة لـ "نداء الوطن"، أبرز الانعكاسات على النحو الآتي:
الأثر التضخمي
يُمثّل التراجع عن الصيغة الشاملة خطوة احترازية حدّت من موجة تضخميّة أوسع. ويرى أن "تحييد المواد الغذائية والأدوية والمنسوجات يخفف الضغط عن السلة الأساسية"، ويتوّقع أن "يبقى أثر الرسوم على مؤشر الأسعار العام ضمن نطاق محدود، بدل تحوّله إلى موجة غلاء شاملة".
يرى عجاقة أن "نسبة الـ 2 % على الكيميائيات واللدائن والإسمنت تشكّل عبئًا إضافيًا على مدخلات الإنتاج، وبالتالي تنتقل الكلفة تدريجيًا إلى التغليف والتصنيع والبناء، وصولا إلى المستهلك النهائي". ويرى أن "الصناعة المحلية تواجه ضغوطًا إضافية بسبب اعتمادها الكبير على المواد الأولية المستوردة".
الأسعار والاستهلاك
في ما يخصّ السيارات والإلكترونيات والساعات، يرى عجاقة أنها "تتأثر بالرسم المباشر البالغ 3 % عند التخليص، يُضاف إليها الـ TVA بنسبة 11 % فوق قيمة الرسم". ويلحظ أن "إعفاء السلع الأساسية يؤدي إلى حماية نسبية للقدرة الشرائية، ولا سيما لدى الفئات الأكثر هشاشة".
ويرى عجاقة أن "التعديل يُحسّن قدرة الدولة على تحصيل إيرادات مخصصة لمعالجة النفايات. لكن تبرز في المقابل مخاطر التهريب والتصريح الجمركي الخاطئ، خصوصًا في السلع مرتفعة القيمة". ويضيف: "أن تكرار تعديل القرارات هو مصدرًا إضافيًا لعدم اليقين لدى المستوردين والمنتجين والتجار".
"توسيع الصحن الضريبي"
يختم عجاقة، بالتشديد على أن "الإجراءات المطروحة لا تتجاوز كونها "حلولا ترقيعية" لا تعالج جوهر الأزمة الضريبية في لبنان، معتبرًا أن "المعالجة الحقيقية تبدأ من توسيع الصحن الضريبي بدل الاستمرار في زيادة الضرائب على المكلفين الملتزمين". ويشير إلى أن "ذلك يتطلب مكافحة الاقتصاد النقدي، والتهرب الضريبي والجمركي، ووضع حدّ للتفلّت من الموجبات الضريبية، إلى جانب معالجة ملف الأملاك البحرية والنهرية، بما يوسّع قاعدة المكلفين ويعزّز الإيرادات من دون تحميل الشرائح الملتزمة أعباء إضافية".
ويؤكد عجاقة أن "توسيع الصحن الضريبي لا يعني رفع معدلات الضرائب، بل توسيع قاعدة التحصيل وضمان جباية الضرائب المستحقة فعليًا، بحيث يدفع كل من تترتب عليه موجبات ضريبية ما عليه من مستحقات، من دون استثناءات أو امتيازات غير مبررة".
وفي هذا السياق، يدعو إلى "إقرار قانون مستقل للإصلاح الضريبي في لبنان، يقوم على نظام ضريبي تصاعدي يحقق قدرًا أكبر من العدالة، ويضع حدًا لمنطق تحميل الملتزمين وحدهم كلفة الخزينة، فيما يبقى جزء من الاقتصاد خارج منظومة الجباية".
الخلاصة
القرار، بصيغته المعدّلة، قد يكون أقل كلفة على الاقتصاد من الصيغة الشاملة، لكنه لا يخلو من تداعيات على كلفة الإنتاج والأسعار. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف القدرة الشرائية وارتفاع كلفة الإنتاج، تبقى المسألة الأساسية ليست فقط مقدار الإيرادات التي ستدخل إلى الخزينة، بل كيف تُحصّل هذه الإيرادات من دون تحويل الضرائب والرسوم إلى عامل إضافي يضعف النمو ويعمّق أعباء الاقتصاد الحقيقي. فالمعالجة المستدامة للنفايات تحتاج إلى تمويل، لكن استدامة التمويل نفسها تتطلب سياسة ضريبية مستقرة وواضحة لا تُحمّل المستهلك والمنتج كلفة القرارات المتبدلة.
رماح هاشم - نداءالوطن